
يتلوّى الطريق الذي يتجه من مديات نحو الجنوب الشرقي، صوب قرية غونغورن، بين تلال هضبة طور عابدين الصخرية. وعند أحد المنعطفات تظهر جدران من الحجر الكلسي الأصفر وأبراج أجراس: إنه دير مار كبرئيل. قائم في المكان نفسه منذ ستة عشر قرنًا، ولا تزال الصلاة تُقام فيه حتى اليوم، ويُعرف بأنه أقدم دير سرياني أرثوذكسي قائم في العالم.
- التأسيس
- 397 م
- المؤسسان
- مار شموئيل، مار شمعون
- الكنيسة الكبرى
- 512
- ارتفاع القبة
- 17 مترًا
دير أسسه معلّم وتلميذه
أسس الدير عام 397 للميلاد مار شموئيل وتلميذه مار شمعون. وتروي المصادر السريانية أنه بُني على أنقاض معبد أقدم. وسرعان ما أصبح أحد المراكز الروحية في المنطقة، وتلقّى هبات من الأباطرة الرومان أركاديوس وهونوريوس وثيودوسيوس الثاني، ثم من الإمبراطور البيزنطي أناستاسيوس الأول.
ومن الأسماء التي لا تزال متداولة في المنطقة اسم دير العُمر. ويحمل الدير اسم مار كبرئيل من بيت قسطان، الذي عاش في القرن السابع وتتلمذ فيه. ويُروى أن نحو ثمانمئة راهب كانوا يعيشون في الدير في زمنه، وهو رقم يدل على أنه لم يكن مكانًا للعبادة فحسب، بل مركزًا حيًّا للعلم والحياة.
قلب طور عابدين
يعني اسم طور عابدين بالسريانية «جبل عباد الله». وقد جاء هذا الاسم من الأديرة والجماعات الرهبانية التي عمرت المنطقة على مر القرون. وكان مار كبرئيل أكبرها وأهمها: فقد كان بين عامي 615 و1049 مقرّ أسقفية طور عابدين، وظلّت له أبرشيته الخاصة في القرون التالية.
وليس تاريخ الدير تاريخ سلام لم ينقطع. فقد عبرت المنطقة جيوش كثيرة، وتركت الأوقات العصيبة آثارها على مبانيه. ومع ذلك كان الدير يُرمَّم في كل مرة، ويمتلئ بالحياة من جديد، حتى وصل إلى يومنا هذا. وهذا الصمود جعل من مار كبرئيل، في نظر السريان، رمزًا للذاكرة والاستمرار أكثر منه مبنى.
على مدى ستة عشر قرنًا أصابه الخراب، ورُمّم، وعادت إليه الحياة، لكنه لم يُهجر قط.
كرمة على أرضية ذهبية
بنى الإمبراطور البيزنطي أناستاسيوس الأول الكنيسة الكبرى للدير عام 512. وتُعدّ الفسيفساء التي تزيّن مذبحها من أثمن ما وصل إلينا من العصور القديمة المتأخرة. فعلى الأرضية الذهبية للقبو تنبثق أغصان الكرمة من أربعة أوانٍ فضية وتتشابك، وبين أوراقها ثلاث دوائر تتوسطها صلبان.
وليس وجود الكرمة هنا من قبيل المصادفة؛ فللكرمة مكانها في إيمان طور عابدين بقدر ما لها في ترابه، والكروم على المنحدرات المحيطة بالدير والدوالي الذهبية في قبو الكنيسة كأنهما وجهان لأرض واحدة.
ومن أشهر أجزاء الدير كذلك القبة التي تعود إلى أوائل القرن السادس، والتي ارتبطت تقليديًا باسم الإمبراطورة ثيودورا. يبلغ ارتفاعها من الداخل نحو 17 مترًا وقطرها الداخلي 11.5 مترًا، وهي مبنية من الآجر المرصوف شعاعيًا وترتكز على جدران من الحجر المنحوت. ولا تزال هذه القبة، بعد ألف وخمسمئة عام، شاهدة على معارف عصرها الهندسية.
مار كبرئيل اليوم
لا يزال مار كبرئيل ديرًا حيًّا. فهو مقر مطرانية طور عابدين، ويعيش فيه رهبان وراهبات، وتُرتَّل فيه الصلوات بالسريانية، ويستمر انتقال التقليد من جيل إلى جيل. وفي عام 2021 أُدرج في القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو مع كنائس منطقة طور عابدين من العصور القديمة المتأخرة والعصور الوسطى.
الدير مفتوح للزوار في أوقات محددة. وهو قبل كل شيء مكان للعبادة: فارتداء ملابس تستر الكتفين والركبتين، والتزام الهدوء، والاستئذان قبل التصوير، هي أبسط صور احترام المضيفين. ولأن مواعيد الزيارة قد تتغير بحسب الموسم، يُستحسن التأكد منها قبل الانطلاق.
لماذا هو مهم؟
يغادر زوار مار كبرئيل عادةً بالشعور نفسه: أن الزمن يجري هنا على نحو مختلف. فالسير في أفنيته الحجرية، ورؤية جماعة تأسست قبل ستة عشر قرنًا لا تزال تتكلم اللغة نفسها، وتتلو الصلوات نفسها، وتفلح الأرض نفسها، هو خير ما يفسّر لماذا يُوصف طور عابدين بأنه «تراث حي».
المصادر: دير مار كبرئيل، ويكيبيديا؛ Syriac Heritage Project، «Dayro d’Mor Gabriel»؛ A. G. Leventis Foundation، «Mosaic Decoration, Monastery of Mar Gabriel»؛ Gorgias Encyclopedic Dictionary of the Syriac Heritage، «Gabriel, Monastery of Mor».


